باسم قهّار يستعيد أم الهزائم

المقاله تحت باب  سينما و مسرح
في 
22/10/2008 06:00 AM
GMT



كان المكان أشبه بنقطة حراسة عسكريّة أو ثكنة: سلالم وجسور حديديّة. إضاءة خافتة وكتيمة. الممثّلون على الخشبة في كتلة واحدة ومتراصّة في لقطة تذكاريّة ثابتة. أما الزمن، فهو أربعينيات القرن العشرين. عسكر وبوليس سرّي، وممثّلون في فرقة مسرحية. سنتعرف أولاً إلى حسن فكرت (زيناتي قدسية) مدير الفرقة، الذي جاء من مصر ليؤسّس مسرحاً يستعيد خلاله ذكرياته مع المغنّية ماري جبران. فجأة، يقتحم الخشبة صحافي معروف يدعى صبحي عباس (مروان أبو شاهين)، برغبة كتابة مسرحيّة وطنية. يستهجن المخرج الفكرة. وبعد جدال يكلّفه كتابة النص. سوف تكون نكبة فلسطين 1948، وتأسيس دولة إسرائيل وفساد الأنظمة، محور العرض. هذا ما يقترحه المخرج العراقي باسم قهّار في عرضه المسرحي «تياترو» ( أكبر إنتاجات المسرح القومي ـ مديرية المسارح في سوريا لموسم 2008). النص الذي أعدّه وائل سعد الدين عن رواية فواز حداد « تياترو 49» يضع سؤال الهزيمة الأولى مفتاحاً لتشريح الهزائم والنكبات اللاحقة. بينما تدور أحداثه عام 1949 خلال فترة انقلاب حسني الزعيم في سوريا ومن بعده سامي الحناوي، ويتناول تداعيات هزيمة 1948 من خلال قصّة مخرج مسرحي يتعرض للسجن في الفترة الأولى من حكم الانقلاب الأول، ويقوم بتأليف عمل مسرحي يحاكي به الواقع الذي عاشه.
أماكن قليلة تختزل أوضاع البلاد وتجاذب الأهواء: المقهى، والمسرح، والسجن، وثكنة الجيش. كأنّ هذا المربّع هو صورة البلاد عندما عصفت بها الانقلابات العسكرية: هزيمة الخارج تعني قمع الداخل. هكذا يتربّع حسني الزعيم صاحب أول انقلاب عسكري في سوريا على خشبة مسرح السياسة، فتتعطّل الحريات السياسية، ويضيع صبحي عباس بين الأمواج المتلاطمة بضغوط من البوليس السرّي، وتظل مسرحيته الوطنية مجرد بروفة، وخصوصاً بعد الاختفاء الغامض لمخرج المسرحية إثر الانقلاب. يرتدي حسن فكرت قناع تاجر شامي قادم من مصر لمقابلة الزعيم، لكنّ مخالفته قانون منع التجوال تقوده إلى السجن. هناك يرافقه طيف ماري جبران، فهي عزاؤه الوحيد في هذه الملهاة التي صنعها العسكر. رجل من دون هوية تثبت شخصيته: هل هو حبيب رزق الله أم حسن فكرت؟ سؤال سيطيح طمأنينة ضابط البوليس السري أسعد كسوب (شادي مقرش) في حمى البحث عنه لإكمال بروفات المسرحية، وهاجس يؤرق المحامي أكرم مطط (علي كريّم) بعد أن يخوض لعبة بوليسية غامضة لكشف حقائق مغيّبة
 
وحده عزوز (مازن عباس) الممثل الهاوي في الفرقة، يتجرّع آلام الحب، بعدما هجرته الممثلة نوال (رنا شميس)، وهو يرى ما آل إليه المسرح في ظل الهواء الثقيل لهيمنة العسكر على البلاد. المسرح إذاً هو الملاذ وشهوة الجسد للانعتاق مما يكبّله من آلام وأشواق وشغف، وما هذا العرض سوى رسالة حب وتمجيد لرائحة الخشبة وأسرار الكواليس ودفء اللحظات العابرة والحميمة. هذا النداء يحيلنا على نداء كان قد أطلقه المخرج الراحل فواز الساجر في «سكان الكهف» المقتبس عن نص لوليم سارويان (المسرح سرّ الحب). هكذا تتأجج المبارزة على خشبة واحدة بين العسكر والممثلين، فكلاهما يطمح إلى أداء دور بطولة على الخشبة، من خندقين متضادّين، فكلّما انتصر العسكر في لعبة السياسة، اندحر المسرح إلى الخلف، ذلك أنّ سؤال الحرية المسكوت عنه هو جوهر تألق الممثل كجسد وحياة، وهذا ما يعلنه حسن فكرت في نهاية العرض.
وإذا بنا أمام لعبة مسرحية خالصة لا تخلو من مفارقة، فوجود العسكر لم يكن سوى جزء من نص المسرحية التي تنوي الفرقة إنجازها، وهي مسرحيّة تتكرر على الدوام، فما إن غادر حسني الزعيم الخشبة حتى أُعلن النفير مجدداً ببلاغ رقم واحد، ليحتل سامي الحناوي فضاء الخشبة بمزاعم جديدة لإنقاذ البلاد. على هذه الأرض الزلقة، سعى المخرج العراقي باسم قهار إلى إنشاء مشهدية بانورامية مبهرة، وسينوغرافيا موازية لجسامة الحدث عن طريق الأسلبة في تحريك الشخصيات، ومن خلال عرض أقل ما يقال عنه، إنّه أعاد الألق إلى خشبة المسرح القومي في سوريا، بعد جفاف طويل، لولا بعض الخطابية التي بلغت جانباً من الحوار، وتفكك البنية في الوحدات المتجاورة التي لم تتمكّن المعالجة من التخلّص منها نظراً إلى احتشاد النص الأصلي بها.